سيد محمد طنطاوي
352
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد أجاب عن ذلك الإمام القرطبي بقوله : قول عيسى * ( وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ) * قاله على وجه الاستعطاف لهم ، والرأفة بهم ، كما يستعطف السيد لعبده ، ولهذا لم يقل : فإنهم عصوك . وقيل قاله على وجه التسليم لأمره ، والاستجارة من عذابه ، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر وقيل . الهاء والميم في * ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ) * لمن مات منهم على الكفر . والهاء والميم في قوله : * ( وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ) * لمن تاب منهم قبل الموت . وهذا وجه حسن » « 1 » . أقول : هذا الوجه الثالث الذي ذكره القرطبي قد اكتفى به بعض المفسرين فقال : قوله : * ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ) * أي : من أقام على الكفر منهم * ( فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) * وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك * ( وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ) * أي : لمن آمن منهم * ( فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) * الغالب على أمره * ( الْحَكِيمُ ) * في صنعه « 2 » . ومع وجاهة هذا الوجه فإننا نرى أن الآية الكريمة حكاية للتفويض المطلق الذي فوضه عيسى إلى ربه - سبحانه - في شأن قومه ولهذا قال ابن كثير : هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى اللَّه - تعالى - فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على اللَّه وكذبوا على رسوله ، وجعلوا للَّه ندا وصاحبة وولدا . وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب ، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها . فقد روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال : صلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ذات ليلة : فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها * ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) * الآية فلما أصبح قلت : يا رسول اللَّه ألم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها ؟ قال : إني سألت ربي - عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها - وهي نائلة - إن شاء اللَّه - لمن لا يشرك باللَّه شيئا » « 3 » . وبعد أن حكى القرآن الكريم ما رد به عيسى عليه السلام - على قول ربه وخالقه - سبحانه - * ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه ) * وقد تضمن هذا الرد - كما سبق أن بينا - التنزيه المطلق للَّه - تعالى - ، والنفي التام لأن يكون عيسى قد قال هذا القول . بعد كل ذلك ختم - سبحانه تلك المجاوبة ببيان حسن عاقبة الصادقين يوم القيامة فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 378 ( 2 ) تفسير الجلالين - ومعه حاشية الجمل - ج 1 ص 546 ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 121